الاستاذ سات


تفعيل العضوية طلب كود تفعيل العضوية استرجاع كلمة المرور

العودة   الاستاذ سات > القسم الاسلامى > المنتدى الاسلامى > القراّن الكريم وعلوم التفسير


تفسير الشعراوي من الاية 22 للآية 24 من سورة النساء

القراّن الكريم وعلوم التفسير


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 24-12-2016, 11:51 AM
الصورة الرمزية wahid2002
wahid2002 wahid2002 غير متواجد حالياً
 




Rep Power: 0 wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about
Talking تفسير الشعراوي من الاية 22 للآية 24 من سورة النساء

 

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)}


وقول الحق: {والمحصنات مِنَ النسآء} هو قول معطوف على ما جاء في الآية السابقة من المحرمات، أي سيضم إلى المحرمات السابقات المحصنات من النساء، ومن هن المحصنات من النساء؟ الأصل في الاشتقاق عادة يوجد معنى مشتركا. فهذه مأخوذة من (الحصن)، وهو مكان يتحصن فيه القوم من عدوهم، فإذا تحصنوا فيه امتنعوا على عدوهم.. أما إذا لم يكونوا محصنين فهم عرضة أن يُغير عليهم عدوهم ويأخذهم، هذا هو أصل الحصن، والاشتقاقات التي أخذت من هذه كثيرة: منها ما جاء في قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12].


و{أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} يعني أنها عفت ومنعت أي إنسان أن يقترب منها، وهنا قوله: {والمحصنات} في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، المقصود بها المتزوجات، فما دامت المرأة متزوجة، فيكون بضعها مشغولاً بالغير، فيمتنع أن يأخذه أحد، وهي تمتنع عن أي طارئ جديد يفد على عقدها مع زوجها. هذا معنى {والمحصنات مِنَ النسآء}، فالمحصنات هنا هن العفيفات بالزواج، والحق يقول: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء: 25].


فما دامت الإماء قد أحصن بالزواج، هل يكن من المحصنات كالحرائر؟ لا، فهذه غير تلك، فهن لا يدخلن في المحصنات من الحرائر، وإلا لو دخلن في المحصنات يكون الحكم واحداً، فهو سبحانه يقول: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب}، وأصل الإحصان وهو العفة.. توصف به الحرة؛ لأن الحرة عادة لا يقربها أحد. وهذه امرأة أبي سفيان في بيعة النساء قالت: وهل تزني الحرة؟ كأن الزنا كان خاصا بالإماء؛ لأنهن المهينات وليس لهن أب أو أم أو عرض، قد يجترئ عليها أي واحد، وليس لها شوكة ولا أهل، ولذلك جاء عقابها نصف عقاب الحرة؛ لأن الأمة يحوم حولها من الناس من تسوّل له نفسه فعل الفاحشة.


إذن فالإحصان يُطلق ويراد به العفة، ويطلق الإحصان ويراد به أن تكون حرة، ويطلق الإحصان ويقصد به أن تكون متزوجة، وتُطلق المحصنات على الحرائر. فالوضع العام للحرة هو الذي يجعل لها أهلاً ولا يجترئ عليها أحد، لكن هَبْ أن امرأة متزوجة ثم حدث خلاف أو حرب بين قومها وبين المؤمنين وصارت أسيرة لدى المسلمين مع أنها متزوجة بطريقتهم في بلادها، وهي بالأسر قد انتقلت من هذا الزواج وجاءت في البيئة الإسلامية وصارت مملوكة، ومملوكيتها وأَسْرُها أسقطت عنها الإحصان، فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}.


إذن فهي بملك اليمين يسقط عنها الإحصان، وللمسلم أن يتزوجها أو أن يستمتع بها إذا دخلت في ملكه وإن كانت متزوجة لأن هناك اختلافاً في الدارين، هي في دار الإسلام، وخرجت من دار حرب فصارت ملك يمين، ولا يكون هذا إلاَّ بعد استبرائها والاستيثاق من خلو رحمها من جنين يكون قد جاءت به من قومها لقوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوْطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» وهذا تكريم لها لأنها عندما بعدت عن زوجها وصارت مملوكة ملك يمين فلم يرد الحق أن يعضلها بل جعلها تتمتع بسيدها وتعيش في كنفه كي لا تكون محرومة من التواصل العاطفي والجسدي، بدلاً من أن يلغ سيدها في أعراض الناس.


{والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} و{كِتَابَ الله} يعني: كَتَبَ الله ذلك كتاباً عليكم، وهو أمر مسجل موثق، وكما هو كتاب عليكم فهو لكم أيضاً، ويقول الحق: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. إذن فالمحرمات هن: محرمات نسب، ومحرمات رضاع، ومحرمات إحصان بزواج.


{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} أي أحل لكم أن تتزوجوهن، ولذلك قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ} أي تطلبوا {بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ} والمال نعلم أنه ثمرة الحركة. والحركة تقتضي التعب والمشقة، وكل إنسان يحب ثمرة عمله، وقد يدافع عنها إلى أن يموت دون ماله؛ لأن المال ما جاء إلا ثمرة جدّ، وحتى إذا ما جاء المال عن ميراث؛ فالذي وّرثك أيضاً ما ورَّثك إلا نتيجة كدّ وتعب، وعرفنا أن الذي يتعب مدّة من الزمن تساوي عشر سنوات قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش بعدها مرتاحاً، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ولده مرتاحاً، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحا.


إذن فكل ما تراه من مال موروث كان نتيجة جدّ وكدّ ومشقة من الآباء، وإذا ما قال الحق: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} دلّ على أن مقابل البضع يكون من جهة الرجل.. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} التي قال عنها سيدنا رسول الله: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).


وما دام المال عزيزاً على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجدّ وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل، فإن هو حقق به خيراً عاجلاً ثم سها وغفل عن شرّ آجل فهو لم يضع المال في موضعه. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ} و(محصنين) كما عرفنا لها معان متعددة.. (محصنين) أي متعففين أن تَلِغُوا وتقعوا في أعراض الناس. بأموالكم، أي ضع مالك الذي كسبته بكدّ فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل، فلا تلغوا به في أعراض الناس؛ لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن، ونقول له: أنت حققت لذة ونفعاً عاجلاً ولكنك ذهلت عن شرّ آجل، يقول فيها ربنا: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} ومنه أخذ السِفاح.


فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضي معها وطراً. فكلمة (محصنين) تعني التزام العفة، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو: مسافحين، من السفح وهو: الصب، والصب هطول ونزول الماء بقوة، فالماء قد ينزل نقطة نقطة، إنما السفح صبّ، ولذلك سمي سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوبًا.


هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول: (محصنين) بكسر الصاد، وحين يتكلم عن النساء يقول: (محصَنات) بالفتحة. لم يقل (محصِنات) بالكسرة، لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائماً للأنوثة، والأنوثة مطلوبة دائما.


{غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والاستمتاع هو إدراك متعة للنفس، والمتعة توجد أولا في الخطبة، فساعة يخطب رجل امرأة فهذا استمتاع، وساعة يعقد عليها وساعة تزف له، هذه كلها مقدمات طويلة في الاستمتاع، لكن الاستمتاع ليس هو الغرض فقط، يقول لك: إذا استمتعت بهن فلابد أن تعطيهن مهورهن، ولذلك إذا تزوج رجل بامرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها نقول له: ادفع نصف المهر؛ لأنك أخذت نصف المتعة، فلو أن المتعة هي العملية الجنسية فقط لم يكن قد أخذ شيئا وبالتالي فلا شيء عليه من المهر، لكن نقول: إن المتعة في أنه تقدم إلى بنت فلان وخطب وعقد، كل هذه مقدمات متعة، فعندما يكون ذلك فإنه يكون قد استمتع بعض الشيء.


الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نبني حياة الأسرة على طهر، وعلى أمن ملكات، فأنت تجد الرجل حين يكون بين أهله لا يجد غضاضة في أن يغلق عليها الباب، لكن تصور وجوده مع امرأة دون زواج، فالملكات النفسية تتصارع فيه، ويتربص، ويمكننا أن ننظر رجفته إذا سمع أي شيء، لأن ملكاته ليست منسجمة، هو سيمتع ملكة واحدة. لكن الملكات النفسية الباقية ملكات مفزعة، مما يدل على أن ما يفعله ليس أمرا طبيعيا، وما دام ليس أمرا طبيعيا فالملكات النفسية تناقضه، الحق سبحانه وتعالى يريد أن تُبِنى الأسرة على طهر وعلى أمن، وهذا الأمن النفسي يعطي لكل ملكات النفس متعة.


وقلنا من قبل إن الإنسان إذا كان له بنت ثم رأى شابا يمر كثيرا على البيت ويلتفت كثيرا إلى الشرفة، ثم يقع بصر والد البنت عليه، ماذا يكون موقفه؟ تهيج كل جوارحه، فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال: يا فلان أنا أريد أن أخطب ابنتك لنفسي، أو أريد ابنتك لابني. ماذا يكون موقف والد الفتاة؟ إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية والنفس مطمئنة، ويتم اعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحا؛ لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء.
ولذلك رُوى: (جَدَعَ الحلال أنف الغيْرة).


أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها، فكأن الغيرة فيها حمية، وإن طُلِبَ عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلابد أن تهيج النفس، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها، فما الذي يسبب الرضا، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة؟ إنه سبحانه هو الذي يفعل ذلك.


والإنسان عليه أن يلتفت إلى أن كلاً منا مكون من ملكات متعددة، فعقد الزواج وقول: (زوجني) و(زوجتك) وحضور الشهود، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تُسر؟ إنها إرادة الحق. وهذا شيء معروف وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط، والإلف السيال بينك وبينه مالز في أوله ما يكفي عندما تقابله أن تلقي عليه السلام وينتهي الأمر، لكنْ هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال الودي بينك وبينه، بل لابد أن تسلم عليه بيدك؛ لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير.


إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييرا كيماويا في النفس، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله، والذي يأتي عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. والشاعر عندما خاطب من يحبه قال:
بأبي من وددته فافترقنا *** وقضي الله بعد ذاك اجتماعا
وتمنيته فلما التقينا *** كان تسليمه عليَّ وداعا


كأن الشاعر يريد تطويل أمد التسليم ومسافته كي يغذي ما عنده من الود، وكأنه يريد أن يقول: أنا التقيت مع من أوده فاختفى في واختفيت فيه، وهذا ناشيء من الامتزاج.


إذن فالتكوين العاطفي أو السيال أوجده الله كسيال التقاء. هذا إذا ما كان على شرع الله، أما في الحالة الأخرى فهو سيال كراهية. وما الذي يسبب ذلك؟ إنه عطاء من الله وهو خالق الرجل وخالق المرأة، فساعة يجيء اللقاء على وفق ما شرع الله فلا تستبعد أن يعدل الخالق الذرات، فعندما يحدث الامتزاج فلابد أن الوفاء يأتي كنتيجة طبيعية وكذلك الولاء، ويتحقق الانسجام هذا إيجاب، أما إذا كان اللقاء على غير طريق الله فلا انسجام فيه وهذا سلب.


إذن فالحق سبحانه وتعالى يبني الأسرة على هذا المعنى. وأنتم تعلمون أن الالتقاءات التي تحدث عن غير طريق الله إنما تحدث في الخفاء، ومنكورة الثمرة، فإن جاء منها أثر وحمل فسيلقى الوليد في الشارع ويكون لقيطا وقد يميتونه، إنما الثمرة التي تأتي بالحل فالكل يفرح بها.


فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذلكم أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والاستمتاع أشياء كثيرة، وجاء الشيعة في قوله: {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.


وقالوا: هذا نكاح المتعة بدليل أنه سبحانه سمى ما أخذ في نظير ذلك أجراً ونقول: كلمة (أجر) هذه واردة في الزواج، فسيدنا شعيب عندما جاءه سيدنا موسى عليه السلام قال له: أعطني أجر ثماني حجج. وسيأتي في الآية نفسها التي يتقولون بها ويقول: (وآتوهن أجورهن بالمعروف). فسمى المهر (أجراً) أيضا، فلماذا تأخذون هذا المعنى؟ هم يقولون: نكاح المتعة حدث، ونقول لهم: نكاح المتعة حدث ولننظر إلى أسبابه.


إن هذا النكاح قد حصل على يد مشرع وله حكمة، ولكن ماذا بعد أن أنهى المشرع هذا الحكم وانتقل إلى الرفيق الأعلى؟ لقد أنهى الحكم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم أحل زواج المتعة في فترة وجيزة حينما كانوا في غزوة من الغزوات، وذهب قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يريدون أن يبنوا حركة حياتهم على الإيمان الناصع. كان من الممكن أن يواروا هذه المسألة عن الرسول، إنهم قالوا له: يا رسول الله أنستخصي؟ أي نخصي أنفسنا؟ فما دام الجهاد يَطلب منا أن نكون في هذا الموقع بعيدا عن أهلنا فلنستخص حتى لا يكون عندنا رغبة. فأباح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زواج المتعة؛ ولكنه أنهاه، والدليل على أنه أنهاه، أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، وأنتم تعلمون منزلته- رضي الله عنه- من التشريع في أحكام الله، إنه كان يقترح الاقتراح فينزل القرآن موافقا له، يقول عمر: ما يجيء واحد ليستمتع إلى أجل إلا رجمته.


إذن فانتهت المسألة، وسيدنا علي- كرم الله وجهه- أقر نَهْي سيدنا عمر، وقالوا: إن ابن عباس قال به: لكنه قال: إنني كنت قد أخطأت فيه، ونعلم أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجلسوا في فصول تعليمية لسماع الوحي، بل كان كل منهم يذهب إلى رسول الله بعد أن يفرغ من عمله، فهذا سمع وذلك لم يسمع. وهذا هو السبب في أن هذا يروى وذاك لم يرو، فسيدنا ابن عباس قال: إنني كنت أعرف مسألة المتعة، ولم يصح عندي خبر منعها إلا في آخر حياتي.


إذن فقول الشيعة: إن المتعة موجودة هو نتيجة استدلال خاطئ، فقوله سبحانه: {فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} علينا أن نقرنه بقوله أيضاً في المهور في الآية التالية: {فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} لأن هناك فرقاً بين الثمن وبين الأجر، فالثمن للعين، والأجر للمنفعة من العين، ولم يملك الرجل بمهره المرأة. إنما ملك الانتفاع بالمرأة، وما دام هو ملْكَ انتفاع فيقال له أجر أيضًا.


{فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أي أن الذي فرض ذلك هو ربنا. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة} ونلحظ هنا أن هناك فرقاً بين أن يشرع الحق لحق، وأن يترك باب الفضل مفتوحا، فمن حقها أنها تأخذ المهر. لكن ماذا إن تراضت المرأة مع الرجل في ألا تأخذ المهر وتتنازل له عنه؟ أو أن يعطيها أكثر من المهر؟ هذا ما يدخل في قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ}، فلا لوم ولا تثريب فيما يتراضى به الزوجان من بعد الفريضة، وكلمة (تراضيتم) تدخل في قوله سبحانه: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} [النساء: 4].


وفي عصرنا نجد أن المرأة تأخذ مهرها من الرجل وتجهز منه أثاث البيت، مع أن المفروض أن يجهز الرجل لزوجته البيت وأن يبقى المهر كاملاً لها، ولكن التعاون هو الذي يعطي العطف والتكاتف.


ويذيل الحق الآية: {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} إذن فكل أحكام الله مبنية على العلم بما يصلح خلقه، ولا يغيب عنه أمر كي يؤخر تشريعه، فتأخير التشريع يعني: أن الذي شرع غاب عن ذهنه جزئيات ما كانت في باله ساعة شرع، وحين يأتي الواقع يأتي له بجزئيات لم تكن موجودة، فيضطر إلى إصدار تشريع جديد يستدرك به ما لم يكن في باله. والذين يقولون: إن التشريع الإلهي لا يغطي حاجة البشر نقول لهم: من الذي سيغطيه؟ أنتم يا مفكرون أتعدلون على الله؟ إن الله يكشفكم أنكم تأتون بتقنينات، وبعد ذلك يظهر عيبها وعوارها وأخطاؤها فتضطرون أن تعدلوا، فسبحانه عليم حكيم. فإن أخر حكما عن ميعاده فقد اقتضت الحكمة أن يكون كذلك.


ومثال ذلك تحريم الخمر، لم يجيء به مرة واحدة، لأن الشيء الذي تحكمه العادة والإلف، لابد فيه من التريث، وأن يصدر التشريع على مراحل، وكل مرحلة تسهل المسألة بالنسبة لما سبقها، ويكون الأمر صعبا إذا كان التشريع دفعة واحدة لأن ترك العادة دون تدرج يكون عسيرا شاقا؛ لأن أهم شيء في الخمر أنها تقود إلى الاعتياد، بدليل أن مدمن الخمر عندما يمر عليه الوقت يضطرب فيأخذ كأسا ليستريح، وأول مرحلة في التحريم أن الحق كسر الاعتياد، وما دامت هي عادة متغلغلة فمن الصعب جدا أن ينزعها صاحبها من نفسه مرة واحدة. فأولا جاء الأمر كعظة، وبعد ذلك يقول: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}. وما دامت لا تشربها وأنت تصلي فكم مرة تصلي؟ خمس مرات في النهار، إذن فعودك أن تترك وقتا من الأوقات غير ملتبس بالخمر، وتكون قد تعودت على ترك الخمر طوال النهار، وبعد ذلك يتدرج فيقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219].


لكن الأحمق عادة يرجح الإثم ويفعله، وما دام سبحانه قال: {فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} إذن فالإثم يترجح. وبعد ذلك جعلها بعلمه سبحانه أمراً نهائيا، والحكمة شاءت أن يكون التحريم بالتدريج. ويطمئننا الحق على أن علمه وحكمته منوط بها إخراج الأحكام، ولذلك قال: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106].


وسبحانه عليم لا يخفى عليه شيء، ويعلم أن امرأة أحبت زوجها لدرجة أن هذا الأجر ليس له قيمة، أو رجل أحب زوجته أيضاً لدرجة أن النقود ليس لها قيمة عنده، وما دام سبحانه حكيم. فهو قد يجري الأمور لا بحتمية ما افترض، ولكن بإبقاءٍ على فضل المتعاملين.


ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...}.


شاهد المحتوى الأصلي علي بوابة الفجر الاليكترونية - بوابة الفجر: تفسير الشعراوي للآية 24 من سورة النساء

 




المصدر : القراّن الكريم وعلوم التفسير - من الاستاذ سات
التوقيع



[CENTER][IMG]]
آخر تعديل حماده الابيض يوم 24-12-2016 في 03:25 PM.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24-12-2016, 11:54 AM
الصورة الرمزية wahid2002
wahid2002 wahid2002 غير متواجد حالياً
 




Rep Power: 0 wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about
Talking تفسير الشعراوي للآية 23 من سورة النساء

 

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)}.



من الذي يحلل ويحرم؟ إنه الله، فهم رغم جاهليتهم وغفلتهم عن الدين حرموا زواج المحارم؛ فحتى الذي لم يتدين بدين الإسلام توجد عنده محرمات لا يقربها. أي أنهم قد حرموا الأم والبنت والأخت.. إلخ، من أين جاءتهم هذه؟ الحق يوضح: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].


ومنهج السماء أنزله الله من قديم بدليل قوله: {قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} [طه: 123].


فبمجرد أن خلق الله آدم وخلق زوجته، أنزل لهما المنهج، مستوفي الأركان، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة، وإن أخذ محل العادة ومحل الفطرة.. أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه ولم يخطر ببالهم أن الله شرعه في ديانات سابقة.


والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم كثير من أحكام الله، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان أيضاً، كلما ابتعد النوعان (الذكورة والأنوثة) فالنسل يجيء قوياً في الصفات. أما إذا كان الزوج والزوجة أو الذكر والأنثى من أي شيء: في النبات، في الحيوان، في الإنسان قريبين من اتصال البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفاً، ولذلك يقولون في الزراعة والحيوان: (نهجن) أي نأتي للأنوثة بذكورة من بعيد، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا: "اغتربوا لا تضْوُوا» وقال: «لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا".


فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب، بل علينا الابتعاد، لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجيء هزيلًا، وبالاستقراء وجد أن العائلات التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها، فبعد فترة ينشأ فيها ضعف عقلي؛ أو ضعف جنسي؛ أو ضعف مناعي، فقول رسول الله: «اغتربوا لا تضووا» أي إن أردتم الزواج فلا تأخذوا من الأقارب، لأنكم إن أخذتم من الأقارب تهزلوا، فإن (ضَوِي) بمعنى (هزل) فإن أردتم ألا تضووا، أي ألا تهزلوا فابتعدوا، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة الجاهلية هذا. ولذلك يقول الشاعر الجاهلي:
أنصح من كان بعيد الهم *** تزويج أبناءٍ بنات العم
فليس ينجو من ضَوَى وسُقْم ***


فقد يضوي سليل الأقارب، وعندنا في الأحياء الشعبية عندما يمدحون واحداً يقولون: (فتوة) أي فتى لم تلده بنت عم قريبة. وفي النبات يقولون: إن كنت تزرع ذرة في محافظة الغربية لابد أن تأتي بالتقاوى من محافظة الشرقية مثلا، وكذلك البطيخ الشيليان. يأتون ببذوره من أمريكا، فيزرعونها فيخرج البطيخ جميلاً لذيذا، بعض الناس قد يرفض شراء مثل تلك البذور لغلو ثمنها.


فيأخذ من بذور ما زرع ويجعل منه التقاوى، ويخرج المحصول ضعيفًا، لكن لو ظل يأتي به من الخارج وإن وصل ثمن الكيلو مبلغاً كبيراً فهو يأخذ محصولاً طيبًا.


وكذلك في الحيوانات وكذلك فينا؛ ولذلك كان العربي يقول: ما دكّ رءوس الأبطال كابن الأعجمية؛ لأنه جاء من جنس آخر. أي أن هذا الرجل البطل أخذ الخصائص الكاملة في جنس آخر. فلقاح الخصائص الكاملة بالخصائص الكاملة يعطي الخصائص الأكمل، إذن فتحريم الحق سبحانه وتعالى زواج الأم والأخت وكافة المحارم وإن كانت عملية أدبية إلا أنها أيضاً عملية عضوية. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} لماذا؟ لأن هذه الصلة صلة أصل، والصلة الأخرى صلى فرع، الأمهات صلة الأصل، والبنات صلة الفرع، {وأخواتكم} وهي صلة الأخ بأخته إنّها بنوة من والد واحد {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة}.


إذن فالمسألة مشتبكة في القرابة القريبة. والله يريد قوة النسل، قوة الإنجاب، ويريد أمرا آخر هو: أن العلاقة الزوجية دائما عرضة للأغيار النفسية، فالرجل يتزوج المرأة وبعد ذلك تأتي أغيار نفسية ويحدث بينهما خلاف مثلما قلنا في قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ}؛ ويكره منها كذا وكذا، فكيف تكون العلاقة بين الأم وابنها إذا ما حدث شيء من هذا؟! والمفروض أن لها صلة تحتم عليه أن يظل على وفاء لها، وكذلك الأمر بالنسبة للبنت، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، فيأمر الحق الرجل: ابتعد بهذه المسألة عن مجال الشقاق.


ومن حسن العقل وبعد النظر ألا ندخل المقابلات في الزواج، أو ما يسمى (بزواج البدل)، حيث يتبادل رجلان الزواج، يتزوج كل منهما أخت الآخر مثلا، فإذا حدث الخلاف في شيء حدث ضرورة في مقابله وإن كان الوفاق سائداً. فحسن الفطنة يقول لك: إياك أن تزوج أختك لواحد لأنك ستأخذ أخته، فقد تتفق زوجة مع زوجها، لكن أخته قد لا تتوافق مع زوجها الذي هو شقيق للأخرى. وتصوروا ماذا يكون إحساس الأم حين ترى الغريبة مرتاحة عند ابنها لكن ابنتها تعاني ولا تجد الراحة في بيت زوجها. ماذا يكون الموقف؟ نكون قد وسعنا دائرة الشقاق والنفاق عند من لا يصح أن يوجد فيه شقاق ولا نفاق.


والحكمة الإلهية ليست في مسألة واحدة، بل الحكمة الإلهية شاملة، تأخذ كل هذه المسائل، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} والمحرم هنا بطبيعة الحال هن الأمهات وإن علون، فالتحريم يشمل الجدة سواء كانت جدة من جهة الأب، أو جدة من جهة الأم. وما ينشأ منها. وكل واحدة تكون زوجة لرجل فأمها محرمة عليه، (وبناتكم) وبنات الابن وكل ما ينشأ منها، وكذلك بنات البنت، {وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}.


ولماذا يحرم الحق {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ}؟ لأنها بالإرضاع أسهمت في تكوين خلايا فيمن أرضعته؟ ففيه بَضْعَة منها، ولهذه البَضْعَة حُرمة الأمومة، ولذلك قال العلماء: يحرم زواج الرجل بامرأة جمعه معها رضاعة يغلب على الظن أنها تُنشئ خلايا، وحلل البعض زواج من رضع الرجل منها مصة أو مصتين مثلا، إلا أن أبا حنيفة رأى تحريم أي امرأة رضع منها الرجل، وأفتى المحققون وقالوا: لا تحرم المرأة إلا أن تكون قد أرضعت الرجل، أو رضع الرجل معها خمس رضعات مشبعات، أو يرضع من المرأة يوما وليلة ويكتفى بها، وأن يكون ذلك في مدة الرضاع، وهي بنص القرآن سنتان، {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}.


وهذه المسألة حدث الكلام فيها بين سيدنا الإمام علي- رضوان الله عليه وكرم الله وجهه- وسيدنا عثمان- رضي الله عنه- حينما جاءوا بامرأة ولدت لستة شهور وكان الحمل الشائع يمكث تسعة أشهر، وأحيانا نادرة يولد الطفل بعد سبعة أشهر، لكن أن تلد امرأة بعد ستة شهور فهذا أمر غير متوقع.. ولذلك أراد عثمان- رضي الله عنه- أن يقيم الحد عليها؛ لأنها ما دام ولدت لستة أشهر تكون خاطئة، لكنْ سيدنا علي- رضوان الله عليه وكرم الله وجهه- أدرك المسألة.


قال: يا أمير المؤمنين؛ لماذا تقيم عليها الحد؟ فقال عثمان بن عفان: لأنها ولدت لستة أشهر وهذا لا يكون، وأجرى الله فتوحاته على سيدنا علي، وأجرى النصوص على خياله ساعة الفتيا، وهذا هو الفتح، فقد يوجد النص في القرآن لكن النفس لا تنتبه له، وقد تكون المسألة ليست من نص واحد. بل من اجتماع نصين أو أكثر، ومن الذي يأتي في خاطره ساعة الفتيا أن يطوف بكتاب الله ويأتي بالنص الذي يسعفه على الفتيا، إنه الإمام علي، وقال لسيدنا عثمان: الله يقول غير ذلك، قال له: وماذا قال الله في هذا؟ قال: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} [البقرة: 233].


إذن فإتمام الرضاعة يكون في حولين كاملين أي في أربعة وعشرين شهرا،- والتاريخ محسوب بالتوقيت العربي- والحق سبحانه قال أيضا: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} [الأحقاف: 15].


فإذا كان مجموع أشهر الحمل والرضاع، ثلاثين شهرا، والرضاع التام أربعة وعشرون شهرا، إذن فمدة الحمل تساوي ستة أشهر.


هكذا استنبط سيدنا علي- رضي الله عنه وكرم الله وجهه- والإنسان قد يعرف آية وتغيب عنه آيات، والله لم يختص زمنا معينا بحسن الفتيا وحرم الأزمنة الأخرى، وإنما فيوضات الله تكون لكل الأزمان، فقد يقول قائل: لا يوجد في المسلمين من يصل بعمله إلى مرتبة الصحابة، ومن يقول ذلك ينسى ما قاله الحق في سورة الواقعة: {والسابقون السابقون أولئك المقربون فِي جَنَّاتِ النعيم ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} [الواقعة: 10-14].


أي أن الآخرين أيضا لن يحرموا من أن يكون فيهم مقربون قادرون على استيعاب النصوص لاستنباط الحكم، إذن فالرضاع: مصة أو مصتان؛ هذا مذهب، وعشر رضعات مذهب آخر، وخمس رضعات مشبعات مذهب ثالث، وأخذ جمهور الفقهاء بالمتوسط وهو خمس رضعات مشبعات تحرمن الزواج، لكن بشرط أن تكون في مدة الرضاع، فلو رضع في غير مدة الرضاعة، نقول: إنه استغنى بالأكل وأصبح الأكل هو الذي يعطيه مقومات البنية.


إذن فمسألة الرضاع متشعبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".


والمحرم من الرضاع هو: الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وهكذا نرى أنها عملية متشعبة تحتاج من كل أسرة إلى اليقظة، لأننا حين نرى أن بركة الله لا تحوم حول كثير من البيوت لابد أن ندرك لها أسبابا، أسباب البعد عن استقبال البركة من الله.. فالإرسال الإلهي مستمر، ونحن نريد أجهزة استقبال حساسة تحسن الاستقبال، فإذا كانت أجهزة الاستقبال خربة، والإرسال مستمراً فلن يستفيد أحد من الإرسال، وهب أن محطة الإذاعة تذيع، لكن المذياع خرب، فكيف يصل الإرسال للناس؟


إذن فمدد الله وبركات الله المتنزلة موجودة دائما.. ويوجد أناس لا يأخذون هذه البركات؛ لأن أجهزة استقبالها ليست سليمة، وأول جهاز لاستقبال البركة أن البيت يبنى على حل في كل شيء.. يعني: لقاء الزوج والزوجة على حل، وكثير من الناس يدخلون في الحرمة وإن لم يكن بقصد، وهذا ناشئ من الهوس والاختلاط والفوضى في شأن الرضاعة، والناس يرضعون أبناءهم هكذا دون ضابط وليس الحكم في بالهم. وبعد ذلك نقول لهم: يا قوم أنتم احتطتم لأولادكم فيما يؤدي إلى سلامة بنيتهم، فكان لكل ولد ملف فيه: شهادة الميلاد، وفيه ميعاد تلقي التطعيمات ضد الدفتريا، وشلل الأطفال وغير ذلك.


فلماذا يا أسرة الإسلام لا تضعون ورقة في هذا الملف لتضمنوا سلامة أسركم، ويكتب في تلك الورقة من الذي أرضع الطفل غير أمه، وساعة يأتي للزواج نقول: يا موثق هذا ملفه إنه رضع من فلانة، في هذا الملف تُدْرج أسماء النساء اللاتي رضع منهن.. فنبني بذلك أسرة جديدة على أسس إيمانية سليمة، بدلا من أن نفاجئ رجلا تزوج امرأة، وعاشا معا وأنجبا وبعد ذلك يتبين أنهما رضعا معا، وبذلك تصير المسألة إلى إشكال شرعي وإشكال مدني وإشكال اجتماعي ناشيء من أن الناس لم تُعد لمنهجها الإيماني ما أعدته لمنهجها المادي.


إذن فلابد من التزام كل أسرة أن تأتي في ملف ابنها أو بنتها وتضع ورقة فيها أسماء من رضع منهن المولود.


وعلى كل حال لم تعد هناك الآن ضرورة أن نأتي بمرضعة للأولاد، فاللبن الجاف من الحيوانات يكفي ويؤدي المهمة، وصرنا لا ندخل في المتاهة التي قد تؤدي بنا في المستقبل إلى أن الإنسان يتزوج أخته من الرضاعة أو أمه من الرضاعة، أو أي شيء من ذلك، وبعد ذلك تمتنع بركة الله من أن تمتد إلى هذه الأسرة. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة}، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".


وجاء القرآن بالأمور البارزة فيها فقط، {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} فإذا تزوج رجل من امرأة ولها أم، بالله أيتزوج أمها أيضا؟ إنها عملية غير مقبولة، {وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}. الربيبة هي بنت المرأة من غير زوجها، فقد يتزوج رجل من امرأة كانت متزوجة من قبل وترملت أو طلقت بعد أن ولدت بنتا. هذه البنت يسمونها (ربيبة) وزوج الأم الجديد سيُدخلها في حمايته وفي تربيته، وبذلك تأخذ مرتبة البنوة. والأمر هنا مشروط: {مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فما دام الرجل قد عقد على المرأة ولم يدخل بها تكون بنتها غير محرمة. أما العقد على البنت حتى دون دخول فإنه يحرم الأمهات.


{وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} أي زوجة الابن، وكلمة {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} تدل على أنه كان يطلق لفظ (الأبناء) على أناس ليسوا من الأصلاب، وإلا لو أن كلمة (الأبناء) اقتصرت في الاستعمال على أولاد الإنسان من صلبه، لما قال: {أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}.


إذن كان يوجد في البيئة الجاهلية أبناء ليسوا من الأصلاب هم أبناء التبني، وكانت هذه المسألة شائعة عند العرب، فكان الرجل يتبنى طفلا ويلحقه بنسبه ويطلق عليه اسمه ويرثه. وجاء الإسلام ليقول: لا، لا يصح أن تنسب لنفسك من لم تنجبه، لأنه سيدخل في مسألة أخوة لابنتك مثلا، وسيدخل على محارمك، ولذلك أنهى الله هذه المسألة، وجاء هذا الإنهاء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت المسألة متأصلة عند العرب.


ونعلم أن زيد بن حارثة خُطف من أهله، وبعد ذلك بيع على أنه رقيق، واشتراه حكيم بن حزام. وأخذته سيدتنا خديجة وبعد ذلك وهبته لسيدنا رسول الله. وصار زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما علم أهل زيد أن ولدهم الذي خُطف قديما موجود في مكة جاءوا إليها، فرأوا زيد بن حارثة، ولما سألوه أن يعود معهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أخيره بين أن يذهب معكم أو أن يبقى معي، انظروا إلى زيد بن حارثة كيف صنع به إيمانه وحبه لسيدنا رسول الله: قال: ما كنت لأختار على رسول الله أحدًا.


وظل مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الرسول أن يكرمه على العادة التي كانت شائعة فسماه (زيد بن محمد) وتبناه.


إذن فالمسألة وصلت إلى بيت النبوة. التبني وصل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الله أن ينهى هذه المسألة فقال سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40].


هذا يدل على أن صرامة التشريع لا تجامل أحداً حتى ولا محمدا بن عبد الله وهو رسول، {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ}.


وبعض الناس الذين يتسقطون للقرآن يقولون: إن رسول الله كان عنده إبراهيم وكان عنده الطيب وكان عنده القاسم، ونقول: أكان هؤلاء رجالا؟! لقد ماتوا أطفالا، والكلام {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ}، وهب أنهم كبروا وصاروا رجالا، أقال من رجالكم أم من رجاله؟ قال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} أي لا يمنع أن يكون أبا أحد من رجاله، هو أبو القاسم وأبو الطيب وأبو إبراهيم هم أولاده فافهموا القول.


وهذه المسألة أخذت ضجة عند خصوم الإسلام والمستشرقين والحق سبحانه وتعالى وإن كان قد عدل لرسوله صلى الله عليه وسلم، فتعديل الله لرسوله يشرف رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من الذي يعدل لمحمد؟ إنه الله الذي أرسله.


ويقول: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}. ومفهوم هذه العبارة أن المحرمة إنما هي حليلة الابن من الصلب. وقوله: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} يدل على أنه كان هناك أبناء ليسوا من الصلب، إذن فالتبني كان موجوداً قبل نزول هذا الحكم، وأراد الله أن يبطل عادة التبني، وكانت متغلغلة في الأمة العربية، فأبطلها على يد سيدنا رسول الله، لا مشرعا ينقل حكم الله فحسب، ولكن مطبقا يطبق حكم الله في ذاته وفي نفسه حتى يأخذ الحكم قداسته، ويجب أن نفطن إلى أن فكرة التبني كانت في ذاتها تهدف إلى أن ولداً نجيبا يلحقه رجل به ليعطيه كل حقوق أولاده كلون من التكريم.


ولذلك علينا أن نلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرف بالكمال البشري في إطار العدل البشري، والعدل هو: القسط، وساعة تبنى زيد بن حارثة وسماه زيد بن محمد إنما كان يهدف إلى أن يعوضه والده، لأن زيداً اختار رسول الله على أبيه، إذن فكان ذلك التبنى من رسول الله كمالا وعدلا بشريا بالنسبة للوفاء لواحد آثر اختياره على اختيار أهله فإذا أراد الله أن يصوب فيكون كمالا إلهيا وعدلا إلهيا، فلا غضاضة عند أحد أن يُصوِّب الكمال البشري بالكمال الإلهي، ولا أن يصوب العدل البشري والقسط البشري بالعدل الإلهي والقسط الإلهي، وأنزل الله وهو أحكم القائلين هذا الحكم بعبارة تعطي ذلك كله.


{} [الأحزاب: 5].


أي: إن دعاءهم لآبائهم {أقسط عند الله}. وكلمة (أقسط) إياكم أن تكونوا بعدتم ونأيتم عن (عظيم) و(أعظم)، إنك ساعة تأتي بصيغة التفضيل يكون المقابل لها وصفا من جنسها، ف (أعظم) المقابل لها (عظيم)، و(أقسط) المقابل لها (قِسْط)، فما فعله رسول الله هو قِسْطٌ وعدل، ولكن ما عدله الله أقسط مما صنعه رسول الله. إذن فيجب أن نفطن إلى أن الكمال البشري والعدل البشري شيء، والكمال الإلهي والعدل الإلهي شيء آخر. ومن نقله الله من عدل بشريته إلى عدل ألوهيته يكون قد تلقى نعمة كبرى.


وإذا ما حاول المستشرقون أن يأخذوا هذه المسألة على أن ربنا عدل له ويحاولوا أن يلصقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ ما، نقول لهم: أنتم لا تحسنون تقدير الأمر ولا تفهمون المراد من ذلك، فالذي صوب هو الله الذي أرسله، وقد صوب له فعلا فعله في إطار البشرية، وقال الحق: {هو أقسط عند الله} ومن الذي يجعل البشر متساوين مع الله في القسط والعدل والكمال؟


إن هناك قصة طار بها المستشرقون فرحا وكذلك يروجها خصوم الإسلام من أبناء الإسلام؛ لأن من مصلحة خصوم الإسلام، وكذلك الذين لا يحملون من الإسلام إلا أسمه؛ يرجون أن هذا الدين يحتوي على أكاذيب- والعياذ بالله- فما دام الواحد منهم لا يقدر أن يحمل نفسه على منهج الدين لا يكون له مندوحة ولا نجاة إلا أن يقول هذا الدين غير صحيح؛ لأن هذا الدين إن كان صحيحا فسوف يهلك هو ومن على شاكلته، فيكذبون أنفسهم وينكرون على الدين أملاً في النجاة في ظنهم إذ لا منجي ولا أمل لهؤلاء إلا أن يكون الدين كذبا كله.


لننظر إلى القصة التي طار بها المستشرقون فرحا: النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد المطلب له بنت اسمها: أميمة بنتا اسمها (برّة)، وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمها، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان له ملحظ في الأسماء، اسمها (برة) وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمها، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان له ملحظ في الأسماء، اسمها (برّة) والاسم جميل لأنه من البر وهو صفة تجمع كل خصال الخير، لكن رسول الله كره أن يقال فيما بعد: خرج رسول الله من عند (برّة) فسماها (زينب).


(برّة) هذه هي بنت أميمة فهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وزيد ابن حارثة- كما قلنا- كان طفلاً ثم خُطف وَسُرِق، وبيع وانصرف إلى ملكية رسول الله، وبعد ذلك أراد رسول الله أن يكرمه على ما يقتضيه كماله البشري وعدله البشري فسماه (زيد بن محمد).


وعندما أراد زيد بن محمد أن يتزوج.. زوّجه رسول الله من (برة) على مضض منها، لأنه مَوْلى، وهي بنت سيد قريش. وكان ملحظ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يجعل من المسلمين مزيجاً واحداً، فلا فرق بين مَوْلى وسيد، وزوَّج بنت عمته لزيد، وبعد الزواج لم ينشأ بينهما ودّ، وكل هذه تمهيدات الأقدار للأقدار.


بالله لو أنها كانت أخذته عن حب وكان بينهما وئام، وبعد ذلك أراد الله أن يشرِّع فهل يشرع على حساب قلبين متعاطفين متحابين ليمزقهما؟ لا، المسألة- إذن- تمهيد من أولها، فلم تكن لها رغبة فيه. وعندما يجد الرجل أن المرأة ليس لها رغبة فيه، تهيج كرامته، وخصوصا أنه صار ابنا بالتبني لرسول الله، ويكون رفض امرأةٍ له مسألة ليست هينة، وتصعب عليه نفسه، فيأتي لرسول الله شاكياً، وقال له: لم تعجبني معاشرة (برّة) وأريد أن أفارقها، وكان ذلك تمهيداً من الله سبحانه لأنه يريد أن ينهى مسألة التبني، فقد كانوا في الجاهلية يحرمون أن يتزوج الرجل امرأة ابنه المتبني، ولذلك يقول الحق: {وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37].


وما دام يقول له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} فالكلام إذن قد جاء معبراً عن رغبة زيد في أن يفارقها، لكن خصوم الإسلام وأبواقهم من المسلمين يقولون في قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} إن محمداً كان معجباً بالمرأة ويريد أن يتزوجها، ويخفى هذه الحكاية.


نقول لهم: كونوا منطقيين وافهموا النص، فربنا يقول: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ}، أنتم أخذتم منها أن النبي كان يريد أن يتزوجها. والحق قال: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ}. فإذا كنت تريد أن تعرف ما أخفاه رسول الله، فاعرف ما أبداه الله، هذه هي عدالة الاستقبال، وبدلا من أن تقول هذا الكلام كي تشفي مرض نفسك انظر كيف أعطاك ربنا من تفاصيل الحكاية. قال سبحانه: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ} فماذا أبدى ربنا؟ وحين يبدي ربنا أمراً يكون هو عين ما أخفاه رسوله، فلما ذهب زيد للنبي وقال له: أريد أن أفارق (برّة) قال له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} لأن رسول الله عَلِم مِنَ الله أنه يريد أن يزوجه (برة) التي هي امرأة زيد الذي تبناه كي ينهى مسألة التبني، وأن امرأة المتبني لا تحرم على الرجل، ويطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه.


لكنْ هناك أناس مازال عندهم مرض في قلوبهم، وأناس منافقون، والرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون هذا الأمر وارادا من الله في قرآنه. فلو كان قد قال هذا الأمر بمجرد الإيحاء الذي جعله الله بينه وبينه لقالوا: هذا كلام منه هو؛ لذلك قال محمد صلى الله عليه وسلم لزيد: أمسك عليك زوجك، فينزل ربنا الأمر كله قرآنا، فلم يقل محمد: ألهمَني ربنا، أو ألقَى في رُوعي، لا، جاء هذا الأمر قرآنا، ولذلك يقدم الحق سبحانه وتعالى لهذه المسألة في سورة الأحزاب فيقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً} [الأحزاب: 36-37].


فالله أنعم على زيد بالإسلام وأنعمت أنت يا رسول الله عليه بالتبني فلا تخش الناس أن يقولوا: طلق المرأة من زيد ليتزوجها. كأن زواج (زيد) من (زينب)، كان لغاية واحدة وهي أن تكون (برة) التي سماها رسول الله (زينب) منكوحة لزيد الذي تبناه رسول الله بدليل: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} أي أدى المهمة، فأردنا أن نعطي الحكم: (زوّجنا) فمن الذي زوَّج؟ إنه الله، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي تزوج.


فإن كنتم تريدون أن تصعدوا المسألة فاتركوا رسول الله في حاله، وصعدوها إلى ربنا، فقوله سبحانه: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} يدل على أن أصل الزواج من البداية ممهد له، فالغاية منه أن يقضي زيد منها وطرا وهو متبنى رسول الله، ويكون هذا الزواج عن كره منها، إنها غير موافقة عليه، وتنتقل المسألة عند زيد إلى عزة ويقول: لا أريدها. ويذهب إلى الرسول ويقول: أريد أن أطلق (برّة) فيقول له الرسول: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} كأن الغاية من النكاح أن يقضي زيد منها وطرا وتنتهي الحكاية بالنسبة لزيد، ويأتي الحكم بالنسبة لرسول الله فيقول ربُّنا (زوجناكها).


فالذي يريد أن يمسك المسألة لا يمسكها على الرسول، لكن عليه أن يصعدها إلى ربنا، {زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً}. كأن العملية جاءت من أجل أن ما أبداه ربنا في زواج الرجل من مطلقة الولد المتبنى إذا قضى منها وطرا، هذا ما أبداه ربنا، إن الله حكم بأن الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم سيبديه، إن الوحي هو الذي بيّن السبب الباعث على زواج الرسول بزينب إنه قوله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً}.


فالعلة في هذه العملية: يا ناس، يا محمد، يا زيد، يا زينب، أو يا من يحب أن يرجف، العلة في كل ذلك علة إلهية من كمال إلهي وعدل إلهي يتركز في قوله سبحانه: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً}، والأدعياء: هم الذين يتبنونهم من غير ولادة.


وما دام ربنا يريد أمرا فلابد أن يفعل، وأنتم آمنتم بأنه رسول، وإن لم تؤمنوا بأنه رسول يكون تكذيبكم برسالته أكبر من أنكم تنقدون تصرفه، فإن كنتم مكذبين أنه رسول، فما شأنكم إذن؟ إن تكذيبكم له كرسول هو أشد من أن تنقدوا تصرفا من تصرفاته بأنه تزوج ممن كانت امرأة ابنه المتبنى. وإن آمنتم بأنه رسول، فهذا الرسول مبلغ عن الله.


إذن ففعل الرسول المبلغ عن الله هو الميزان للأعمال لا ما تنصبونه أنتم من موازين. أتقولون للرسول الذي أرسله ربنا كي يبلغ منهجه ويطبق هذا المنهج ويكون هو ميزاناً للتصرفات، تقولون له: سنأخذ تصرفاتك ونعيدها على الميزان الذي نضعه؟ ما كان يصح أن يفعل أحد هذا، فإن قلت ذلك فقد عملت الميزان من عندك، ونقلت الأمر إلى غير الحق، وهذا أول خطأ؛ فالأصل في الرسول أن كل فعل له هو الكمال، ولا تأتي أنت بميزان الكمال وتأتي للرسول وتقول له: كيف فعلت هذه العملية؟ لأنك عندما تقول ذلك فقد نصبت ميزان كمال من عندك، وتأخذ تصرف الرسول لتزنه بميزان الكمال من عندك، وهذا مناقض للحق لأنك آمنت بأنه رسول.


وبعد ذلك يأتي بالقضية العامة ليقول سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40].


وكلمة {أبا أحد} أي لم يكن أباً لأحد، ماذا تفهم منها؟ نفهم منها أنه أبوكم كلكم، {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ} لأنه أبو الجميع، بدليل أن أزواجه أمهاتكم، ومحرمات عليكم، فهو إذن والدكم كلكم؛ إذن فخذ بالك من دقة الأداء {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} وبمنطق الواقع هو أب لكم كلكم؛ لذلك هو لا يأخذ واحداً فقط ويقول: هذا ابني، لا، هو أب لكم كلكم. وكل المؤمنين أولاده بدليل أن أزواجه أمهات لهم، قد يقول واحد: لقد كان عنده أبناء.


نقول له: إن أبناءه لم يبلغوا سن الرجولة، وهب أنهم بلغوا سن الرجولة حتى باعتبار ما سيكون فهؤلاء ليسوا رجالكم ولكنهم رجاله.


{ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين} والرسالة وختم النبوة به فوق شرف الأبوة. وجاء الحق بذلك حتى لا يحزن زيد، فرسول الله قد شرفه، وإن شرفك يا زيد أنك كنت تدعى ابن محمد، فما يشرفك أكثر أنك مؤمن بمحمد كرسول، فالعظمة في محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاء رسولًا.


ولذلك قلنا: إن هذه جعلت بنوة الدم بلا قيمة عند الأنبياء، ونجد أن النبي جاء بسلمان وهو من فارس وليس من قبيلته ولا هو بعربي وقال: (سلمان منا آل البيت).


وقول الحق: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} بمفهوم العبارة ونضحها الذوقي والأدائي والأسلوبي أنه أبوكم كلكم، فلا ينفرد به أحد دون الآخر، {ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} وبعدما كان زيدٌ ابنَ محمد، أصبح زيدا ابن حارثة، ومحمد هو رسول الله، وما دمت أنت مؤمنا به- يا زيد- فرسول الله هذه تعوض إلغاء الأبوة بالتبني بالنسبة لك، ثم إنك داخل في الأبوة العامة من رسول الله للمؤمنين؛ لأنك آمنت به كرسول، إذن فعندما نحقق في هذه العبارة نجد أنه يُسلِّي زيداً أيضا. وخير من هذا- أنك يا زيد- إن فقدت بين الناس اسم زيد ابن محمد، وكنت تجعل ذلك شرفاً لك، فأنت الوحيد من صحابة رسول الله الذي يُذكر في القرآن باسمه الشخصي، وتصبح كلمة (زيد) قرآنا يُذْكر ويُتلى، ويتُعبد بتلاوته، ومحفوظا على الألسنة؛ ومرفوع الذِّكر، إذن فقد عوضك الله يا زيد، فقد قال الحق: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} وهب أنه بقي زيد ابن محمد، فما الذي يحدث سنقرأها في السيرة، لكن يرتفع شرف ذلك عندما نقرأها في كتاب الله المعجزة المتعبد بتلاوته، الذي ضمن الله حفظه، فقد ضمن الله تخليد اسم زيد إلى أن تقوم الساعة، إذن فذكره كزيد ابن محمد في حياته أوْلى أو ذكر زيد في القرآن؟ إن ذكر اسمه في القرآن أولى، {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.


إذن فقول الحق سبحانه: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} يدل على أن حلائل الأبناء المتبنين حل لكم، بعد أن كانوا- في الجاهلية- يحرمون ذلك، ويقول الحق من بعد ذلك: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين} وتحريم الجمع في الزواج بين الأختين لأن بينهما رحماً يجب أن تظل معه المودّة والرحمة والصفاء، لكن إذا كانتا تحت رجل واحد تحدث عداوة، {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} وهذا الجزء من الآية {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين} مع استثناء الحق.


في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} قد حصل في فهمهما والمراد منهما خلاف.


ونقول أولا المرأة في ملك اليمين ليس لها حق قِبَلَ سيدها في أن يطأها أو يستمتع بها، فملك اليمين لا يوجب على السيد أن يجعل إماءه أمهات أولاد.


إن الأمام عليا -رضي الله عنه وكرّم الله وجهه- وسيدنا عثمان- رضي الله عنه- أخذ كل واحد منهما موقفًا، فسيدنا عثمان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين؟ فقال (لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرّمتهما آية) فتوقف رضي الله عنه ولم يفت. أما سيدنا علي فقد حرم الجمع في وطء الأختين بملك اليمين، أما التملك من غير وطء فهو حلال، وهذا هو الذي عليه أهل العلم بكتاب الله ولا اعتبار برأي من شذ عن ذلك من أهل الظاهر.


ويتابع الحق: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي أن هذا الأمر ما دام قد سلف قبل أن يشرع الله، فهو سبحانه من غفرانه ورحمته لم يؤاخذنا بالقانون الرجعي، فلا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم، وما دام الحكم لم يأت إلا الآن فيطبق من الآن ولا يصح أن يجمع أحدٌ أختين تحته في نكاح أو في وطء بملك يمين، ولا يجمع أيضا بينهما في زواج من إحداهما ووطء بملك يمين لأخرى.


ويقول الحق من بعد ذلك: {والمحصنات مِنَ النسآء...}.



 




المصدر : القراّن الكريم وعلوم التفسير - من الاستاذ سات
التوقيع



[CENTER][IMG]]
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24-12-2016, 11:56 AM
الصورة الرمزية wahid2002
wahid2002 wahid2002 غير متواجد حالياً
 




Rep Power: 0 wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about
Talking تفسير الشعراوي للآية 22 من سورة النساء

 

{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)}.


فكأن هذه المسألة كانت موجودة، كان ينكح الولد زوج أبيه التي هي غير أمه. و(صفوان بن أمية) وهو من سادة قريش قد خلف أباه أمية بن خلف على (فاختة بنت الأسود بن المطلب) كانت تحت أبيه، فلما مات أبوه تزوجها هو، ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعد هذه القضية من محيط الأسرة، لماذا؟ لأن الأب والابن لهما من العلاقات كالمودَّة والرحمة والحنان والعطف من الأب، والبر والأدب، والاستكانة، وجناح الذل من الابن، فحين يتزوج الرجل امرأة وله ابن، فذلك دليل على أن الأب كان متزوجاً أمه قبلها، وكأن الزيجة الجديدة طرأت على الأسرة.


وسبحانه يريد ألا يجعل العين من الولد تتطلع إلى المرأة التي تحت أبيه، ربما راقته، ربما أعجبته، فإذا ما راقته وأعجبته فأقل أنواع التفكير أن يقول بينه وبين نفسه: بعدما يموت أبي أتزوجها، فحين يوجد له الأمل في أنه بعدما يموت والده يتزوجها، ربما يفرح بموت أبيه، هذا إن لم يكن يسعى في التخلص من أبيه، وأنتم تعلمون سعار الغرائز حين تأتي، فيريد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على الولد أمل الالتقاء ولو بالرجاء والتمني، وأنه يجب عليه أن ينظر إلى الجارية أو الزوجة التي تحت أبيه نظرته إلى أمه، حين ينظر إليها هذه النظرة تمتنع نزعات الشيطان.


فيقول الحق: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} والنكاح هنا يُطلق فينصرف إلى الوطء والدخول، وقد ينصرف إلى العقد، إلا أن انصرافه إلى الوطء والدخول- أي العملية الجنسية- هو الشائع والأوْلى، لأن الله حينما يقول: (الزاني لا ينكح إلا زانية) معناها أنَّه ينكح دون عقد وأن تتم العملية الجنسية دون زواج.


والحق هنا يقول: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} فما هو السلف هذا؟ إن ما سلف كان موجوداً، أي جاء الإسلام فوجد ذلك الأمر متبعاً، وجاء الإسلام بتحريم مثل هذا الأمر. فالزمن الجديد بعد الإسلام لا يحل أن يحدث فيه ذلك وإن كان عقد النكاح قد حدث قبل الإسلام، ولذلك قال- سبحانه-: {إلا ما قد سلف} فجاء ب (ما) وهي راجعة للزمن. كأن الزمن الجديد لا يوجد فيه هذا.


هب أن واحداً قد تزوج بامرأة أبيه ثم جاء الحكم.. أيقول سلف أن تزوّجتها قبل الحكم! نقول: لا الزمن انتهى، إذن فقوله: {مَا قَدْ سَلَفَ} يعني الزمن، وما دام الزمن انتهى يكون الزمن الجديد ليس فيه شيء من مثل تلك الأمور. لذا جاءت (ما) ولو جاءت (مَن) بدل (ما) لكان الحكم أن ما نكحت قبل الإسلام تبقى معه، لكنه قال (إلا ما قد سلف) فلا يصح في المستقبل أن يوجد منه شيء ألبتة ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائما من هذا الزواج.


والحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه حين يشرِّع فهو يشرع ما تقتضيه الفطرة السليمة. فلم يقل: إنكم إن فعلتم ذلك يكون فاحشة، بل إنه برغم وجوده من قديم كان فاحشة وكان فعلاً قبيحاً {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} وما كان يصح بالفطرة أن تكون هذه المسألة على تلك الصورة، إلا أنّ الناس عندما فسدت فطرتهم لجأوا إلى أن يتزوج الرجل امرأة أبيه، ولذلك إذا استقرأت التاريخ القديم وجدت أن كل رجل تزوج من امرأة أبيه كان يُسمَّى عندهم نكاح (المقت) والولد الذي ينشأ يسمُّونه (المقتي) أي المكروه.


إذن فقوله: {إنه كان} أي قبل أن أحكم أنا هذا الحكم {كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً}. فالله يوضح: إنني أشرع لكم ما تقتضيه الفطرة. والفطرة قد تنطمس في بعض الأمور، وقد لا تنطمس في البعض الآخر لأن بعض الأمور فاقعة وظاهرة والتحريم فيها يتم بالفطرة.


مثال ذلك: أن واحداً ما تزوج أمه قبل ذلك، أو تزوج ابنته، أو تزوج أخته. إذن ففيه أشياء حتى في الجاهلية ما اجترأ أحدٌ عليها. إذن جاء بالحكم الذي يحرم ما اجترأت عليه الجاهلية وتجاوزت وتخطت فيه الفطرة، فقال سبحانه: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي مضى.


لقد وصف سبحانه نجاح الأبناء لزوجات آبائهم بأنه {كان فاحشة} أي قبحاً، و{مقتاً} أي مكروهاً، {ساء سبيلا} أي في بناء الأسرة.


ثم شرع الحق سبحانه وتعالى يبين لنا المحرمات وإن كانت الجاهلية قد اتفقت فيها، إلا أن الله حين يشرع حكماً كانت الجاهلية سائرة فيه لا يشرعه لأن الجاهلية فعلته، لا. هو يشرعه لأن الفطرة تقتضيه، وكون الجاهلية لم تفعله، فهذا دليل على أنها فطرة لم تستطع الجاهلية أن تغيرها، فقال الحق سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ...}.



 




المصدر : القراّن الكريم وعلوم التفسير - من الاستاذ سات
التوقيع



[CENTER][IMG]]
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-01-2017, 02:28 AM
الصورة الرمزية wahid2002
wahid2002 wahid2002 غير متواجد حالياً
 




Rep Power: 0 wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about wahid2002 has a spectacular aura about
افتراضي رد: تفسير الشعراوي من الاية 22 للآية 24 من سورة النساء

 

 




المصدر : القراّن الكريم وعلوم التفسير - من الاستاذ سات
التوقيع



[CENTER][IMG]]
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
22 , 23 , 24 , للميت , من , الشعراوي , النساء , تفسير , صورة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير الشعراوي للآية 11 من سورة النساء wahid2002 القراّن الكريم وعلوم التفسير 4 06-01-2017 02:27 AM
تفسير الشعراوي للآية 1 من سورة النساء wahid2002 القراّن الكريم وعلوم التفسير 5 19-12-2016 01:16 AM
تفسير الشعراوي للآية 2 من سورة النساء wahid2002 القراّن الكريم وعلوم التفسير 3 13-12-2016 09:41 AM


الساعة الآن 03:33 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
دعم Sitemap Arabic By

Privacy-Policy